الرئيسية » صميم » ثقافة وإعلام » رأي: جامعاتـنا وأيّ دور لها في التعليم والتطوير ؟ بقلم النوري قرفال

رأي: جامعاتـنا وأيّ دور لها في التعليم والتطوير ؟ بقلم النوري قرفال

في مجال قد نال نصيبا محترما من حياتي المهنيّة ألا وهو التعليم والتطوير ، سأكتب باحثا عن دور جامعاتنا حاليّا أو أيّ دور قد تلعبه مستقبليّا من أجل الرقيّ بمواردنا البشريّة ، وسأتطرق تحديدا إلى تدريب وتطوير القيادات الإداريّة بالقطاع العامّ أو الخاصّ وأعني بذلك كبار مسؤولي الدولة والرؤساء التنفيذيين للمؤسسات والشركات أو مدراء العموم والإدارات ، ومساهمة مؤسساتـنا الجامعيّة في تنمية قدراتهم ومهاراتهم سواء الإداريّة والقياديّة منها أو المتخصّصة ذاة العلاقة بمجال عملهم .

خلافا لأغلب مواقع جامعاتنا على شبكة الأنترنت التي تدفعك دفعا لمغادرتها سريعا لسوء العرض وتردّي المضمون ، فإنّك تودّ أن لا تغادر مواقع الجامعات العالميّة وأنت تبحر على شبكة الأنترنت مستكشفا ما تقدّمه هذه الجامعات من خدمات تعليمية وتدريبيّة لمختلف الفئات المجتمعيّة بدءً بالطلبة في جميع المراحل التعليميّة ، ثمّ التعليم المستمرّ ، وصولا إلى القيادات التنفيذيّة في كبرى الشركات العالميّة . ويأخذ التعليم والتطوير في هذه الجامعات أشكالا وطرقا عصريّة متنوّعة ليشمل برامج تدريبيّة موجّهة للتنفيذيين ، منها الحضوري ومنها ما يُنفّذ عن بعد . كما تمتدّ هذه البرامج لفترات زمنيّة مختلفة ، منها ما يُنفّذ خلال بضعة أيام مراعيًا بذلك الإلتزامات المهنيّة لكبار المسؤولين ، ومنها البرامج التي تمتدّ لفترات طويلة متواصلة أو موزّعة على أجزاء حسب المنهج التعليمي المعتمد والفئة المستهدفة من هذه البرامج وأهدافها.

وقبل أن أتساءل عن دور جامعاتنا ، لا يسعني إلاّ أن أعبّر عن إعجابي بمستوى البرامج التدريبيّة التي تعرضها سنويّا الجامعات العالميّة وخصوصا المصنّفة منها في أعلى المراتب من قبل مراكز البحوث والدراسات والمجلّات المتخصّصة في المجال . كيف لا وقد وصلت للعالميّة من خلال شراكاتها سواء كجامعات في ما بينها أو مع القطاع الخاصّ وكبرى المنظمات الغير ربحيّة ، كما سعت للإنتشار عالميّا من خلال تقديم برامجها في عدّة مناطق جغرافيّة من العالم وبلغات مختلفة لتحتضن كلّ الثقافات وتنفتح على كلّ الشعوب وتستهدف كلّ الفئات المجتمعيّة .

ماذا يمكن إذا لجامعاتنا أن تفعل في زمن العولمة والمنافسة الشرسة المفتوحة على مصراعيها ؟ وهل لا زلنا قادرون على المساهمة في صناعة المعرفة وتحويل جامعاتنا إلى منارات علميّة محليّا وعالميّا لتلعب دورا رياديّا في تعليم وتدريب وتطوير القيادات الإداريّة بالقطاعين العامّ والخاصّ ؟ نعم ، وكما عبّرت عن ذلك أمثال وحكم بلغات مختلفة مفادها أن الأوان لم يفت أبدا ، وخطوة تأتي متأخّرة أفضل من أن لا تأتي ، وما علينا سوى اتخاذ أهمّ الخطوات الرئيسة التالية :

أولا : تركيز وحدات أعمال تجاريّة في أهمّ جامعاتنا تتولّى تصميم بعض البرامج التدريبيّة في مختلف المجالات الإداريّة وبلغات مختلفة ولديها من الموارد ما يسمح بذلك ، وجدولتها كبرامج معلنة ومفتوحة للقيادات الإداريّة محليّا ودوليّا ، ثمّ التسويق والدعاية لها باعتماد آليات حديثة كالتسويق الألكتروني وعبر الشبكات الإجتماعيّة وشبكات الجوال .

ثانيا : بناء شراكات وتحالفات مع جامعات عالميّة ومنظمات متخصّصة في مجال تعليم وتدريب الموارد البشريّة تهدف إلى تنظيم برامج تدريبيّة مشتركة ذات مستوى عالمي ، والإستفادة من خبراتهم ونقل المعرفة إلى المحاضرين التونسيين .

ثالثا : إنفتاح جامعاتنا على كبرى الشركات التي تنشط ببلدنا واستكشاف احتياجاتها التدريبيّة في كلّ المجالات ، والتعبير عن الرغبة من قبل الجامعيين في فتح شراكة فعليّة معها من أجل القيام بدراسات لحالات من واقع كلّ شركة ، والمساهمة من خلال تنفيذ برامج تدريبيّة تُصمّم خصيصا لها في تطوير وتدريب رأس المال البشري لهذه الشركات أو المؤسسات بما يساهم في تحقيق أهدافها ، وقد تتمثّل في الرفع من قدرتها التنافسيّة أو تحسين المردودية أو تحقيق المزيد من الأرباح أو تقديم خدمات بأفضل نوعيّة .

رابعا : توفير أسباب النجاح والموارد الضروريّة لذلك ، ومن أهمّها الموارد البشريّة ، فرغم تواجدها في كلّ الجامعات إلاّ أنها تحتاج لتحفيز معنوي ومادّي من أجل تبنّي هذا المشروع ، وينسحب هذا على بقيّة الموظفين لحثّهم والتعاقد معهم على أساس الأهداف ولا على أساس ساعات الحضور في العمل ! وليس بأقلّ أهميّة من كلّ ما سبق تحديث المواقع الألكترونيّة لجامعاتنا أو إعادة تصميمها من جديد إن اقتضى الأمر وتحيين محتوياتها بشكل يومي .

هذا الدور التعليمي والتطويري للموارد البشريّة وإن كان في ظاهره علميّا ومعرفيّا فأنه يحمل في طيّاته جانبا تجاريّا لا يستهان به ، فبعض الجامعات والمعاهد العالميّة تحقّق من خلال أنشطتها في مجال التدريب كالندوات والمؤتمرات أكثر من نصف أرباحها نقلا عن بعض الأساتذة والمحاضرين بأرقى الجامعات في العالم . ألسنا بحاجة إلى مثل هذه الموارد الماليّة من أجل تطوير جامعاتنا وتوفير مصادر إضافيّة للدخل من شأنها تحفيز الأساتذة والباحثين على مزيد البذل والعطاء ! ولن أقتصر على هذا الدور الهامّ الذي ستساهم من خلاله جامعاتنا في الرقيّ بمواردنا البشريّة وما يعنيه ذلك من نجاح لإدارتنا التونسيّة ومؤسساتنا ضمن القطاع الخاصّ ، لكن سأتطرق أيضا إلى المردوديّة الغير مباشرة وأخصّ بالذكر منها مساهمة جامعاتنا في توفير مزيدا من فرص العمل لشبابنا ، وفي دعم لمنتوج سياحي يكاد يكون مفقودا في بلادنا ألا وهو سياحة التدريب والندوات والمؤتمرات وكلّ الفعاليات والأنشطة ذات الطابع التعليمي ، ولا يفوتني الإشادة بمجهودات بعض الجامعات ذات التخصّصات العلمية أو الأدبيّة في تنظيم العديد من التظاهرات الإقليمية . ويبقى الأمل في أن نرى جامعاتنا تتحمّل مسؤولياتها التاريخيّة في بناء مجتمع أفضل والإنفتاح أكثر على محيطها ، والمساهمة في تعليم وتطوير مواردنا البشريّة وخصوصا إحداث رجّة ثقافيّة مضاعفة ، تكسب رأس المال البشري في الآن نفسه حبّ العمل والتضحية من أجل الغير ، وما يحتاجه من مهارات مختلفة للنجاح في مهمّته أيّ كان موقعه أو مستواه الوظيفي.

تعليق واحد

  1. الجامعة هي المنتج الطبيعي للمعارف و العلم، و هي الحاضنة لطلائع المجتمع و قواه الحية. الا اني أكاد أجزم أنها و في مجتمعاتنا العربية أصبحت مقاما لأهل السياسة و لاحزابهم. عقدة قديمة جديدة للاسف لم نستطع التخلص منها تستنزف قدرات جامعيينا و أوقاتهم. فأصبحنا بدلا من الترويج للمعرفة نتناحر عن المناصب و الامتيازات. الرقي بالوعي الجماعي لمجتمعاتنا يتطلب سلخا للذات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

WpCoderX