الرئيسية » صميم » رأي » لو دامت لغيركم لما آلت إليكم ! بقلم النوري قرفال

لو دامت لغيركم لما آلت إليكم ! بقلم النوري قرفال

ليس بالأمر العسير أن يلاحظ كلّ متابع للشأن التونسي بأنّ جميع أهداف ” الثورة ” قد تحقّقت ولا غرابة في ذلك ، لكن السؤال البديهي والذي يطرح نفسه يقودنا للبحث عن صاحب هذه الأهداف . والإجابة الطبيعية والمنطقية هي أن تعود هذه الأهداف ونتائجها بالفائدة لمن خطّط ونفذ بنجاح ولعب الدور الأوّل والأساسي في كلّ ما حدث ، أما من كان له دور ثانوي فستبقى أهدافه ثانويّة وفي قائمة الإنتظار إلى أن يصحى من وهمه !
ركزت سابقا في تشخيصي للواقع التونسي على نصف الكأس الملآن وما حققناه من نتائج سياسيّة متميّزة على أمل أن تقودنا لديمقراطيّة ناشئة تنسينا ما عشناه من متاعب وما قدمناه من تضحيات . لكن هذا النجاح من ناحية لا يخفي إخفاقاتنا المتنوعة والتي لا تزال تهدّد مستقبل البلاد وخصوصا أمنها واستقراراها .
فأمنيّا نحن نتابع يوميّا مسلسلا محزنا ضحيّته جنودا ومواطنين أبرياء ، إقتصاديّا ازدادت المديونيّة بشكل مرعب ومكلف لأجيال وأجيال ، وتهاوى الدينار ونشطت التجارة الموازية أكثر من قبل والتهريب في استمرار ، إجتماعيّا استفحلت البطالة وازداد الفقر وارتفعت الأسعار بشكل جنوني واكتشفنا موضة الإنتحار عند الصغار ! إنهارت كلّ القيم ولم يحافظ على توازنه إلا ما قلّ وندر ممن توفّرت لديه مناعة أخلاقية ذاتية .
ألا تساءلتم عن المستفيد من كلّ هذا ؟ فلنبدء بالمديونية التي لن تزيدنا سوى الفقر وتراكم فوائد الدين ، ثمّ نتداين بعدها لخلاص فوائد الدين . مؤسساتنا الوطنيّة التي تمثّل عرق الأجيال التي سبقتنا وتضحياتها فرطنا فيها كليّا أو جزئيّا ولا نزال نعرضها في الأسواق العالمية بسعر بخس ! قطاعات خدميّة لا تتطلّب منّا اختراعات ولا اكتشافات فشلنا في إدارتها فشلا ذريعا ، وتنازلنا عنها لرأس المال الأجنبي ليجني منها ما لذّ له وطاب ، وفتحنا شهيّته للمزيد خصوصا وأن كلّ الظروف تسمح له بذلك ، وأقلّ ما يمكن أن يقال هو أن ليس على المضطرّ حرج ! يُضاف إلى ذلك أطماع أغلب السياسيين إلأ ما رحم ربّي وانتهازية كثيرا من المستثمرين في الداخل ومن وراء البحار .
ماذا ننتظر من خارج الديار والجميع يرانا كيف ننهار ؟ أكاد أجزم بأنّ الكلّ يرانا لقمة سائغة وفرصة لا تعوّض للشراء او الإستثمار . كفاءاتنا تغادر البلاد أفرادا وجماعات ، عائلات تعاني من تشرّد أبنائها ، فإما غرقى في البحر ، أو قتلى في حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل . وسياسيون يتصيدون عثرات بعضهم البعض كي لا أقول يتآمرون على البلاد من أجل مصالحهم الحزبيّة الضيّقة وحتى الشخصيّة منها ، وكلّ يظنّ بأنّ لديه وصفة سحريّة قد تخرجنا ممّا نحن فيه ، وما أكثر الذين يتعاملون مع الحكومة الحالية وكأنها مسقطة ومفروضة عليهم بقوة السلاح وليست نتاجا لانتخابات شهد كلّ العالم بنجاحها ونزاهتها ، وكأنّ النظام البرلماني لم يكن مطلبا شعبيّا وحزبيّا ملحّا رغم تنبيهات عديد الخبراء من سلبياته ذاة العلاقة بالإستقرار السياسي ، وكأنّ المحاصصة الحزبيّة بدعة تونسيّة ، وينسحب هذا التعامل مع رئيس الجمهورية ، مع احترامي لكلّ نقد موضوعي وبنّاء لا تستقيم الحياة السياسية بدونه .
ما الحلّ إذا ؟ لا يوجد شيئا اسمه المستحيل ، هذه قناعتي وهي راسخة حتى لو ألقى الجميع مناديلهم ورفعوا الرايات البيضاء . الحلّ لا يمكن ان يكون سوى تونسيّا ، ولن تأتي به سوى إرادة شعبيّة صادقة ، وعقولا محليّة وطنيّة مبدعة ، وشعورا بالمسؤولية في لحظة حاسمة وتاريخيّة .
لا تهمّني الألوان السياسيّة ، فكلّ ما يهمّني تونس ، ولا تهمّني لا النظريات الرأسماليّة ولا الإشتراكيّة ، بل ما يهمّني هو الحلول العقلانيّة التي تتعامل مع الواقع التونسي بذكاء وتأخذ في الإعتبار كلّ خصوصياتنا ، لا وجود لوصفة جاهزة ، يجب أن يكون الحلّ لمشاكلنا اختراعا تونسيّا يحمل علامة “صنع في تونس” . وبداية الحلّ عند المواطن التونسي فهو حجر الأساس ، وأولى الخطوات إقبال التونسي على العمل ، نعم ثقافة العمل افتقدناها أو نكاد ، هل من درس يأتينا من وراء البحار ؟ هل نحتاج للتذكير بتضحيات الألمان بعد هزيمتهم في الحرب العالميّة الثانية ؟ هل نحتاج لدرس ياباني في التعامل مع الهزيمة ورفع الراية البيضاء وفتح صفحة جديدة مع ألدّ الأعداء ! كفانا مطلبيّة ، كلّنا ضحايا وكلنا عانينا ونعاني ، لكن في القناعة سعادتنا ، ولا تبنى الأوطان أو تتعافى من غير تضحيات ، فهذه حقيقة تاريخيّة لا تحتاج لإثباتات حتى وإن رأت عكس ذلك كلّ النقابات .
رجال الأعمال ، أين أنتم ؟ أعطتكم تونس الكثير ، فكم أسقطت عنكم الدولة من ديون ، وكم تحمّل الشعب التونسي صناعاتكم الرديئة وخدماتكم السيّئة ، وأعطاكم كرها أو طوعا الفرصة لتطوير مؤسساتكم ، فهل من ردّ الجميل لهذا البلد ؟ ألا يمكن أن يكون هذا خارج المقايضة السياسيّة أو الضغوطات والمراقبات الجبائيّة ؟ اليوم أو فلا ، أنتم مطالبون بتحمّل مسؤولياتكم الإجتماعيّة لمعاضدة مجهود الدولة في كلّ المجالات ، ألم تبلغ مسامعكم تبرّعات أثرياء العالم بالجزء الأكبر من ثرواتهم لمشاريع خيريّة ! وأكرّر هذا النداء لمؤسساتنا الوطنيّة ولكلّ موظفيها في شتى المجالات ، أخشى أن يفقد المواطن التونسي صبره يوما ما ويستغنى عن خدماتكم ، فتسقط شركاتكم في أيّ لحظة وتندمون يوم لا ينفع الندم !
للسياسيين بلا استثناء ، لمن هم في السلطة ولمن اختار المعارضة كأسهل الحلول في الظروف الصعبة والمعقدة ، أنتم عابرون … وسيذكركم التاريخ في كلّ الأحوال بمواقفكم وبأدائكم ، فاجعلوا تنافسكم على خدمة البلاد بالفكر والساعد ، وابتعدوا عن الإثارة والسعي للسلطة بكلّ الطرق حتى لو كلفكم ذلك تدمير الدولة أو إضعافها خدمة لمصالحكم الضيّقة وانصياعا لأنانيتكم ، وتفكّروا دائما بأنها لو دامت لغيركم لما آلت إليكم !

تعليق واحد

  1. تشخيص مفصل ورائع للواقع التونسي اليوم ورسالة واضحة للجميع. السؤال المطروح : هل من مجيب ؟ مل هناك أمل في تغيير هذا الواقع المر ؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

WpCoderX