الرئيسية » صميم » العالم » قالمة، من القلب إلى القلب. بقلم سعد برغل

قالمة، من القلب إلى القلب. بقلم سعد برغل

سنكون يوما ما يجب أن نكون، وسنكون ما نريد أن نكون، هذا ما انتهيت إليه بعد رحلة جبليّة باتجاه الجزائر في إطار نسخة جديدة من الملتقى الدّوليّ كاتب ياسين، كانت السيارات تشقّ الطريق الممتدّ بين الجبال، طرق أفعوانية تسرح بنظرك على امتداد الخضرة بالجانبين، شباب متحفّز لخدمة بلاده ورجالها وثقافتها، شباب من الجزائريّين أمّنوا الرّحلة، كنت منبهرا بخصالهم وصمتهم واحترامهم لمقامات الأساتذة، كانوا لا يتكلّمون إلا عند الإجابة على سؤال، يحتدّ النّقاش بين الجامعيّين التونسيّين ولا يقطعه سوى سؤال أحد الأشبال الجزائريّين” هل ترغبون في شيء؟”.DSC_0038

شباب في عمر الزهور مندفعون لاحترام أوامر ” الحاج”، كانت أوامر صارمة تقضي بتوفير كلّ أسباب الراحة للوفد التونسيّ، لا يحتاج منّا الأمر إلى الإلحاح، فهم هنا كُثر، ما إن تطلب حتى تجد مصاحبا ملبّيا لطلبك، كانت البسمة هي شعار الدورة، وكان الجزائريّون هناك معنا، مع باردو، كانت تونس التسامح بطلة محتفى بها في الملتقى، حاضر أساتذتها في اليوم الافتتاحيّ، وكنت رئيس الجلسة، ارتفع النشيد الجزائريّ، كان الوقوف يردّدون في صرامة وطنيّة هذا النشيد متباهين بمعانيه، صمت يرفرف فيه حبّ الجزائر عاليا، يشقّ فضاء للمسرح البلدي، كان بعض الوفد التونسيّ حافظا للنشيد، كنّا فيه ومنه ومعه، يوم تونس بقالمة، يومها كنت أتملّى الوجوه الجزائريّة الصارمة في حبّ، الباسمة في عطاء، الواهبة بلا حدود، كنّا هناك وكان الوطن معنا، كنّا نُسوّق لتونس الشعر والإبداع والثقافة والسلم، اجتزنا القمارق ولم نتسلّل عبر الجبال، قدًّمنا جوازات سفرنا التونسيّة في فخر، واستظهرنا بدعوات علميّة، ولم نخف تحت جلابيبنا الأفغانية سلاحا، اجتزنا الحدود للحديث عن كونيّة كاتب ياسين، وما ذهبنا لتقتيل الإخوة أو تكفير أبناء المليون شهيد.

بالجزائر شباب خبروا معنى أن تنخرط في الفعل الثقافي، كنت مبهورا بالبائع الذي حدّثني طويلا عن أهميّة كاتب ياسين، وكان يعتذر لعدم متابعة الندوة لانشغاله بالعمل، كان النادل بالمشرب للمحاذي للمسرح يقدّم لنا طلباتنا مردّدا أهلا بكم وحفظ الله تونس، كان بائع العطورات يحدّثني عن تفاصيل الحياة بالحمامات وعن الفخّار بنابل، يخاف أحدهم فيتدخّل قائلا” ها الهمّال يحبّوها صحراء” ، شاب لم يعايش العشرية الإخوانية واعيّا بالجزائر، له منهم قتيل وقتيلة، أمّ بقر الهَمج بطنها وأخت استشهدت، ذنبها أنّها حازت الباكالوريا و رفضت الخمار.

DSC_0162

بالجزائر متاحف زرناها وقمم عبَبْنا من هوائها النقيّ، وبقالمة نفوس طيّبة على الفطرة لا تصنّع في البسمة، يقدّم لك الواحد ما يملك ولا ينتظر منك جزاء ولا شكورا، ما يعنيه أنّك ضيف منذ لحظة استلامك من تراب الوطن إلى ثانيّة تسليم الأمانة، كنّا كهولا في عهدة شباب، يقودهم الحاج في كلّ خطوة، ” عمّ عليّ” لا يرى فيك تونسيا أو فرنسيّا أو أمريكيّا ضيفا، يراك ابن قالمة، ويعاملك معاملة التبجيل، يدفع ولا يكفّ عن الدّفع، صاحب سخاء في توزيع البسمة الصادقة، علّني أزعم أنّ المحاضرات، على عمقها، لم تساير الحبّ الذي رافقها والطيبة التي احتضنتها، لمسنا بسمتها في الاحتفاء بعيد ميلاد “عميد الوفد التونسيّ” الأستاذ منصور مهني؛ احتفاء بكلّ التفاصيل والجزئيات ومكوّنات الفرح؛ أقول هذا وأنا المتمرّس بتنظيم الندوات، وجدت بقالمة ما أعجز عن توفيره في تونس: شباب متحمّس ومواطن منخرط في المسألة الثقافيّة.

كنّا، منصور مهني ومحمد الناصر كحولي وسمير المرزوقي وعفيفة المرزوقي وبدر الدين بن هندة ومحمد المي وحسونة المصباحي، نقدّم للجزائريّين إمكانيّة أصليّة لمعنى الجوار، كنّا، أصدقاء زادتنا الجزائر صداقة، أدركنا معنى أن تجد روحك في “نجمة” وفي قبيلة كاتب ياسين، في شعريّة كاتب وفي مسرح كاتب، كنّا نقول المعنى باللّغة وكان الجزائريّون يقولون الحياة باللّغة، كانت فلسفة الحياة وحبّ الحياة قد جمعتنا، كنّا نستحضر أبا صخر الجزائري وأبا قاتل الجزائري وأبا إرهاب الجزائري، وأبا القتل الجزائري، وأبا السفّاح الجزائريّ، نُسخا مشوّهة، نستحضرهم لنمحوهم في اللحظة ذاتها ليحلّ محلّها ” علىّ الطيّب” و”كمال المعطاء”و” محمّد المشاكس” ، كنّا نستحضر الشّواذ المتسلّلين عبر الجبال لنمحوهم من ذاكرتنا ولترسخ بهذه الذاكرة الجزائر البهيّة الفاتنة الجميلة الباسمة الحبيبة.

abbassi

تعليق واحد

  1. محمّد النّاصر كحّولي

    أصاب الدّكتور محمّد سعّد برغل المقتل وعنده الخبر اليقين وصدق في ما نقل وصوّر، لم أر مدينة في الطّبقة العليا من الرّوعة بشرا وشجرا وحجرا مثل مدينة قالمة. ثالة الولايات بعدا عن الحدود التّونسيّة بعد الطّارف وعنّابة. يبتسم أهلها والجزائريّ عموما في وجهك، وحالما يتفطّن إلى أنّك تونسيّ يهب لتقديم كلّ ما تطلب ولا تسمع منهم غير كلمة “كاين”، وحبّهم لتونس كأنّه الإيمان، لن أعقّب على ما قاله الدّكتور محمّد سعّد برغل، وكنت قد اقترحت عليه تسمية مدينة قالمة بـ”حسناء الجبال”، بل كادت الحسناء أن تكونها لولا ما نقص منها وكمل من قالمة…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

WpCoderX